toot-alsham
11-26-2005, 10:52 AM
الشاب الذي وجد نفسه مجنونا
بقلم مصطفى بكري
في الصباح الباكر انطلق رائف من منزله في المعادي متوجها إلي مبني الجامعة الأمريكية وسط القاهرة، فهو يدرس حاليا بالجامعة قسم الحاسب الآلي، و رائف يبلغ من العمر عشرين عاما، دراسته في الثانوية العامة كانت بنظام (I.G.C) باللغة الإنجليزية، نجح فيها بتفوق كبير حيث حصل علي 112 % ، فدخل الجامعة الأمريكية بمجموعه وليس بنقوده.
و رائف ابن لأسرة عريقة، فوالده مهندس معماري يعمل مع شركات أجنبية كبري، وهو الذي بني فندق شيراتون بالمملكة العربية السعودية منذ أكثر من عشرين عاما، وشقيقه الآخر هو مهندس تخرج حديثا، أما خاله فهو الممثل القدير ممدوح عبد العليم زوج المذيعة القديرة شافكي المنيري، وخاله الآخر هو الدكتور شريف عبد العليم الأستاذ بكلية الطب وبمستشفي أبو الريش، أما والدته فهي مهندسة ديكور.
والشاب 'رائف' شاعر وفنان ورياضي يلعب الاسكواش بمهارة، سافر إلي العديد من دول العالم، واطلع علي حضارتها، وهو نابغة في الكمبيوتر، يحفظ القرآن الكريم ومتدين، راقي الفكر، يتعامل مع الجميع باحترام بالغ، ومن هدوئه لا تكاد تسمع له صوتا.
والأسبوع الماضي سافرت والدته إلي السعودية لأداء العمرة ويوم الأربعاء الماضي كانت علي موعد مع القدر، فقطعت زيارتها للأراضي المقدسة. وجاءت علي الفور تكاد لا تصدق ما سمعت عبر الهاتف.
القصة
ركب الطالب رائف محمد سيارته الجيب متجها من منزله بالمعادي إلي حيث دراسته بالجامعة الأمريكية، ولأن منطقة التحرير مزدحمة، فقد راح الشاب يبحث عن مكان في شارع جانبي بمنطقة جاردن سيتي. وبعد جهد جهيد وجد مكانا خاليا، فقرر أن يترك فيه سيارته. ولكن حظه العاثر أن الدكتور أحمد فتحي سرور رئيس مجلس الشعب يسكن بالقرب من هذا الشارع.
لم يكن هناك موكب أو أي شيء من هذا القبيل، و لم يكن الشاب يعرف أن د. سرور يسكن في هذا المكان، كل ما في الأمر أنه وجد مكانا خاليا وحاول أن يركن فيه سيارته.. وبينما هو يقوم بذلك تقدم إليه بعض أفراد حراسة موكب رئيس مجلس الشعب، وطلبوا منه أن يأخذ سيارته ويذهب بعيدا، فقال الشاب: ولماذا أفعل ذلك؟ فقيل له: لأن موكب د. سرور سيتحرك بعد قليل. فرد عليهم: وإيه يعني أنا وجدت مكانا وتركت فيه سيارتي، وسأنصرف إلي حال سبيلي،
فقيل له: خذ سيارتك وأمض.
وعندما أصر الشاب علي موقفه، تعرض لاستفزاز شديد من رجال الحراسة، فقال لهم: إن هذا شارع الدولة، ومن حقي أن أركن سيارتي لأنه ليس شارع فتحي سرور، هنا انقلبت الأوضاع رأسا علي عقب: مين أنت؟ ابن مين في مصر؟ إحنا حنوريك، حتدفع التمن غالي، ليلك حيبقى زي نهارك. وعلي الفور عينك ما تشوف إلا النور، فقد جري احتجاز الشاب وطلب منه التوقف عن الحركة والكلام، وبعد دقائق قليلة كان الطالب مشحونا في سيارة جيب شرطة إلي قسم قصر
النيل.
وهكذا علي الفور فتح تحقيق مع هذا الشاب الذي تجرأ واعتبر أن له حقا في هذه الدولة، حاول الشاب أن يدافع عن نفسه، قال: أريد أن اتصل بأسرتي وأهلي، هذه بطاقتي وهذه كارنيهات النوادي والجامعة الأمريكية، وكان الرد أنه وجد نفسه فجأة في غرفة حجز ضيقة تفوح منها روائح كريهة، ووسط عشرات المجرمين من اللصوص وتجار المخدرات والقتلة ومنتهكي الأعراض.
لم يصدق الطالب ما حدث، إنه في حالة ذهول، راح يهذي بكلمات قيل إنها غير مفهومة، وكانت هذه الكلمات تقول: أنا معملتش حاجة، أرجوكم بلغوا أهلي، دي أول مرة أدخل فيها قسم شرطة، يا ناس أنا مش مجرم، أنا طالب بالجامعة، أنا مصري ودي بلدي وبلاش تعملوا في كده، فين القانون؟ فين العدل؟ أنا عاوز محامي !!
لم يستمع أحد إلي استغاثة الشاب، الكل صم آذانه، بينما راح بعض المتهمين داخل زنزانة الحجز يمطرون الشاب سبابا واهانة طالبين منه أن يلتزم الصمت.
لم يعرف أحد من أسرته بالواقعة، إلا عندما اتصل قسم شرطة قصر النيل بالفنان ممدوح
عبد العليم ليعرف سر وجود ورقة باسمه في محفظة الشاب، ولم يكن ممدوح موجودا بالمنزل، لأنه موجود في سوريا لتصوير مسلسل تليفزيوني، فردت عليهم المذيعة شافكي المنيري زوجة الفنان ممدوح، فصدمت من المعلومات التي سمعتها، وقالت إن رائف مش كده، رائف مؤدب ومحترم، وعلي الفور راحت تجري الاتصالات بوالده ووالدته التي تؤدي العمرة بالسعودية
وكذلك خاله د. شريف عبد العليم. بعد قليل كان علي قسم الشرطة أن يعرض 'الإرهابي الكبير' 'رائف' علي نيابة قصر النيل، فجري إخراجه من الزنزانة الكريهة التي قضي فيها طيلة النهار، وتم وضع الأساور الحديدية في يديه، وخوفا من الهروب فقد جري وضع الجزء الآخر من الأسورة في يد أحد أفراد الأمن، ودفع به دفعا إلي سيارة الترحيلات.
وأمام وكيل نيابة قصر النيل راح الشاب يهذي بذات الكلمات غير المفهومة: أنا لم أفعل شيئا، كيف يحدث معي هذا الذي حدث؟ أين القانون في البلد؟ أنا مواطن صالح ولم أدخل قسم شرطة في حياتي.. وكان القرار في النهاية بناء علي التحريات المرفقة عرض الشاب علي مفتش الصحة لبيان سلامة قواه العقلية.
ذهل الشاب، لم يصدق، ارتجف، انهمرت دموعه، شعر بالخطر، كيف؟ ولماذا؟ هل هذا معقول؟ هل يمكن أن يدفعوا بي إلي مستشفي الأمراض العقلية؟ هل أصبحت مجنونا وأنا الذي حصلت في العام الماضي علي تقدير (.+A.) أي المرتبة الأولي بامتياز في الجامعة؟ أنا، كيف، معقول؟!
كانت الأسئلة تنهمر علي عقله، إنه لا يصدق، قولوا أي شيء غير ذلك، إذن النية مبيتة، وغدا سيدفعون بي إلي مستشفي الأمراض العقلية. عاد رائف إلي زنزانته من جديد، ولم ير طعم النوم، الذهول يسيطر عليه، إنه مصدوم، راح يصرخ يا ناس، يا عالم فين القانون فين العدل؟!!!
ظلت الهواجس تطارده حتى الصباح، لم يستطع أن يدخل إلي دورة المياه القذرة داخل الزنزانة، فانهار غير مصدق، راح يعد الثواني والدقائق، وفي الصباح نودي علي اسمه وقيد بالأساور الحديدية ودفع به إلي سيارة الترحيلات لتوقيع الكشف الطبي علي قواه العقلية.
في هذا الوقت كان خاله د. شريف عبد العليم قد علم بالخبر وجاء منذ الصباح الباكر ينتظر ابن شقيقته يريد أن يراه، وما أن تحركت سيارة الترحيلات حتى راح د. شريف يحاول أن يلحق به، لكنه لم يستطع، وبمحض الصدفة راح د. شريف يقلب صفحات الصحف المصرية (الأمينة)، ليفاجأ بخبر يقول: 'إن الكشف الطبي أكد أن رائف مصاب بلوثة عقلية وتم إيداعه مستشفي العباسية للأمراض العقلية'.
كانت الصدمة قوية علي الدكتور شريف، فابن أخته لم يخضع للكشف الطبي بعد، ومع ذلك ينشر خبر في صحفنا الموقرة، يقول : 'إن الشاب مجنون وتم إيداعه في مستشفي الأمراض العقلية'.
ومضت سيارة الترحيلات، ولم يكذب سعادة الدكتور مفتش الصحة خبرا فقد أقر بالفعل 'أن الشاب مريض عقليا، وطلب إيداعه مستشفي الأمراض العقلية لمدة 45 يوما لتبيان مدي اللوثة العقلية'.
كانت الصدمة أقوي من أن تحتمل، اتصلت شافكي المنيري برئيس مجلس الشعب تطلب منه إنقاذ هذا الشاب البريء ، وعلي الفور أبلغها د. سرور أن هذا الشاب لم يعترض موكبه، وأن ما جري شيء مستفز، وأنه لن يترك الأمر يمر بدون حساب، وراح يجري اتصالاته بالجهات المعنية، فقررت الجهات نفسها الإفراج عن الطالب فورا و' يا دار ما دخلك شر' !!
قبيل الإفراج عنه بقليل كانت أمه قد وصلت علي عجل بعد أن قطعت العمرة في السعودية، إن أمه تسكن معه هو وشقيقه، هي لا تعيش في الخارج كما صورت الصحف، والده فقط الذي يعمل مستشارا هندسيا كبيرا لإحدى الشركات الأجنبية بالسعودية، والشاب لا يقيم بالسيدة زينب كما نشرت الصحف، لكنه يسكن بالمعادي بعيدا عن منزل فتحي سرور كما ادعوا.
انهارت الأم وظلت تصرخ غير مصدقة، ماذا فعلتم بابني؟ أي جريمة ارتكبها؟ مضت الساعات ثقيلة علي النفس ثم أفرج عن الشاب رائف بدون كلمة اعتذار واحدة.
في صباح السبت كنت اتصل بالمهندسة سمية والدة رائف بعد اتصالي مع شافكي المنيري، كانت كلمات الأم مؤلمة، كانت تبكي بحرقة وألم، قالت: ماذا فعلنا؟ نحن مواطنون صالحون، طول عمري 'بربي' ولادي وبعلمهم كويس، وبربيهم علي الدين والأخلاق. كيف يصفون ابني بأنه مجنون، هل هناك مجنون متفوق ويقود سيارة؟ هل هناك مجنون يلعب اسكواش ويعزف البيانو؟ ولو كان كذلك كيف نتركه هكذا في الشارع؟ من أين جاءوا بالقصة الملفقة؟ من أين جاءوا بأنه كان يعالج من مرض نفسي؟ حاولت أن أهدئ من روعها، كنت أشعر أن دموعها ساخنة، ورأسها يكاد ينفجر وهي تطرح أسئلة بلا إجابة وعلامات استفهام تثير الحزن والألم، قالت لي: قل لي بالله عليك كيف أقنع سكان العمارة وزملاء ابني بأنه ليس مجنونا، وبأن كل ما جري كان تلفيقا وادعاء كاذبا؟ قالت لي: إن والده يكاد يموت من الألم في السعودية، وأنه استطاع الحصول علي تصريح خروج وسيأتي إلي القاهرة نبحث في كيفية معالجة ابننا بعد الانهيار النفسي الذي يعيشه منذ القبض عليه.
رائف أيها السادة يغلق علي نفسه غرفته الآن، يبكي باستمرار، لا يصدق ما حدث، 'رائف' يا بلد الحضارة والتاريخ، كاد يتحول إلي رقم في مستشفي الأمراض العقلية بالعباسية لولا تدخل د. فتحي سرور الذي استطاع أن يلغي كل القرارات بكلمة واحدة منه.
ويبقي السؤال كيف هان علينا أن نعذب شابا مصريا طموحا وهو في مقتبل العمر؟ وكيف استطاع مفتش الصحة الذي يجب أن يحاكم في ميدان عام أن يصدر قرارا بضمير مرتاح يدفع به شابا متفوقا إلي مستشفي الأمراض العقلية؟
تري ماذا لو لم يتدخل د. فتحي سرور؟ النتيجة معروفة، الشاب كان سيتحول بالفعل إلي مجنون حقيقي تهدر آدميته بفعل الإيداع والاختلاط بالمرضي العقليين بمستشفي العباسية.
من يداوي رائف الآن؟ وما علاقة هذا الشاب الرائع بوثيقة حقوق المواطنة، والمجلس القومي لحقوق الإنسان ومشروعات التحديث والتطوير والفكر الجديد.
لا فرق كبيرا بين رائف الذي اعتبروه غير لائق عقليا وبين الشاب المتفوق عبد الحميد شتا الذي حرم من وظيفته برغم تفوقه، لأنه غير لائق اجتماعيا سوي أن الأول تم إنقاذه في اللحظة الأخيرة حطام من بشر، والثاني قرأ النتيجة فكفر بالمجتمع وبالشعارات وألقي بنفسه في جوف النيل ليلقي مصرعه.
آلاف الحوادث ومئات البشر يموتون ويقعون ضحايا لغطرسة القوة والعنف، لانتهاك القانون والضرب بالعدالة في عرض الحائط ولا أحد يتحرك، ولا أحد يسأل ولا أحد يقول ماذا جري؟
يا أخي رائف ويا كل المصريين أنتم بلا سعر، بلا ثمن، أنتم بلا قيمة، وهذا ليس زمانكم، والوطن أنتم مجرد سبايا علي أرضه، كل من سيهمس الاتهامات جاهزة والمقصلة منصوبة ومستشفي الأمراض العقلية ذمته واسعة ويستوعب الكثيرين.
إلي من نشتكي، إلي من نصرخ، من يرد لنا اعتبارنا، من يشعر بآلامنا، من يحاسب الصحافة، ومن يحاسب من ارتكبوا الجرم، ومن يحاسب مفتش الصحة علي فعلته؟
أسئلة كثيرة، القلب موجوع، والصرخات مكتومة والحزن يخيم علي بيوت المصريين ويبقي السؤال في أي عهد نعيش ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
بقلم مصطفى بكري
في الصباح الباكر انطلق رائف من منزله في المعادي متوجها إلي مبني الجامعة الأمريكية وسط القاهرة، فهو يدرس حاليا بالجامعة قسم الحاسب الآلي، و رائف يبلغ من العمر عشرين عاما، دراسته في الثانوية العامة كانت بنظام (I.G.C) باللغة الإنجليزية، نجح فيها بتفوق كبير حيث حصل علي 112 % ، فدخل الجامعة الأمريكية بمجموعه وليس بنقوده.
و رائف ابن لأسرة عريقة، فوالده مهندس معماري يعمل مع شركات أجنبية كبري، وهو الذي بني فندق شيراتون بالمملكة العربية السعودية منذ أكثر من عشرين عاما، وشقيقه الآخر هو مهندس تخرج حديثا، أما خاله فهو الممثل القدير ممدوح عبد العليم زوج المذيعة القديرة شافكي المنيري، وخاله الآخر هو الدكتور شريف عبد العليم الأستاذ بكلية الطب وبمستشفي أبو الريش، أما والدته فهي مهندسة ديكور.
والشاب 'رائف' شاعر وفنان ورياضي يلعب الاسكواش بمهارة، سافر إلي العديد من دول العالم، واطلع علي حضارتها، وهو نابغة في الكمبيوتر، يحفظ القرآن الكريم ومتدين، راقي الفكر، يتعامل مع الجميع باحترام بالغ، ومن هدوئه لا تكاد تسمع له صوتا.
والأسبوع الماضي سافرت والدته إلي السعودية لأداء العمرة ويوم الأربعاء الماضي كانت علي موعد مع القدر، فقطعت زيارتها للأراضي المقدسة. وجاءت علي الفور تكاد لا تصدق ما سمعت عبر الهاتف.
القصة
ركب الطالب رائف محمد سيارته الجيب متجها من منزله بالمعادي إلي حيث دراسته بالجامعة الأمريكية، ولأن منطقة التحرير مزدحمة، فقد راح الشاب يبحث عن مكان في شارع جانبي بمنطقة جاردن سيتي. وبعد جهد جهيد وجد مكانا خاليا، فقرر أن يترك فيه سيارته. ولكن حظه العاثر أن الدكتور أحمد فتحي سرور رئيس مجلس الشعب يسكن بالقرب من هذا الشارع.
لم يكن هناك موكب أو أي شيء من هذا القبيل، و لم يكن الشاب يعرف أن د. سرور يسكن في هذا المكان، كل ما في الأمر أنه وجد مكانا خاليا وحاول أن يركن فيه سيارته.. وبينما هو يقوم بذلك تقدم إليه بعض أفراد حراسة موكب رئيس مجلس الشعب، وطلبوا منه أن يأخذ سيارته ويذهب بعيدا، فقال الشاب: ولماذا أفعل ذلك؟ فقيل له: لأن موكب د. سرور سيتحرك بعد قليل. فرد عليهم: وإيه يعني أنا وجدت مكانا وتركت فيه سيارتي، وسأنصرف إلي حال سبيلي،
فقيل له: خذ سيارتك وأمض.
وعندما أصر الشاب علي موقفه، تعرض لاستفزاز شديد من رجال الحراسة، فقال لهم: إن هذا شارع الدولة، ومن حقي أن أركن سيارتي لأنه ليس شارع فتحي سرور، هنا انقلبت الأوضاع رأسا علي عقب: مين أنت؟ ابن مين في مصر؟ إحنا حنوريك، حتدفع التمن غالي، ليلك حيبقى زي نهارك. وعلي الفور عينك ما تشوف إلا النور، فقد جري احتجاز الشاب وطلب منه التوقف عن الحركة والكلام، وبعد دقائق قليلة كان الطالب مشحونا في سيارة جيب شرطة إلي قسم قصر
النيل.
وهكذا علي الفور فتح تحقيق مع هذا الشاب الذي تجرأ واعتبر أن له حقا في هذه الدولة، حاول الشاب أن يدافع عن نفسه، قال: أريد أن اتصل بأسرتي وأهلي، هذه بطاقتي وهذه كارنيهات النوادي والجامعة الأمريكية، وكان الرد أنه وجد نفسه فجأة في غرفة حجز ضيقة تفوح منها روائح كريهة، ووسط عشرات المجرمين من اللصوص وتجار المخدرات والقتلة ومنتهكي الأعراض.
لم يصدق الطالب ما حدث، إنه في حالة ذهول، راح يهذي بكلمات قيل إنها غير مفهومة، وكانت هذه الكلمات تقول: أنا معملتش حاجة، أرجوكم بلغوا أهلي، دي أول مرة أدخل فيها قسم شرطة، يا ناس أنا مش مجرم، أنا طالب بالجامعة، أنا مصري ودي بلدي وبلاش تعملوا في كده، فين القانون؟ فين العدل؟ أنا عاوز محامي !!
لم يستمع أحد إلي استغاثة الشاب، الكل صم آذانه، بينما راح بعض المتهمين داخل زنزانة الحجز يمطرون الشاب سبابا واهانة طالبين منه أن يلتزم الصمت.
لم يعرف أحد من أسرته بالواقعة، إلا عندما اتصل قسم شرطة قصر النيل بالفنان ممدوح
عبد العليم ليعرف سر وجود ورقة باسمه في محفظة الشاب، ولم يكن ممدوح موجودا بالمنزل، لأنه موجود في سوريا لتصوير مسلسل تليفزيوني، فردت عليهم المذيعة شافكي المنيري زوجة الفنان ممدوح، فصدمت من المعلومات التي سمعتها، وقالت إن رائف مش كده، رائف مؤدب ومحترم، وعلي الفور راحت تجري الاتصالات بوالده ووالدته التي تؤدي العمرة بالسعودية
وكذلك خاله د. شريف عبد العليم. بعد قليل كان علي قسم الشرطة أن يعرض 'الإرهابي الكبير' 'رائف' علي نيابة قصر النيل، فجري إخراجه من الزنزانة الكريهة التي قضي فيها طيلة النهار، وتم وضع الأساور الحديدية في يديه، وخوفا من الهروب فقد جري وضع الجزء الآخر من الأسورة في يد أحد أفراد الأمن، ودفع به دفعا إلي سيارة الترحيلات.
وأمام وكيل نيابة قصر النيل راح الشاب يهذي بذات الكلمات غير المفهومة: أنا لم أفعل شيئا، كيف يحدث معي هذا الذي حدث؟ أين القانون في البلد؟ أنا مواطن صالح ولم أدخل قسم شرطة في حياتي.. وكان القرار في النهاية بناء علي التحريات المرفقة عرض الشاب علي مفتش الصحة لبيان سلامة قواه العقلية.
ذهل الشاب، لم يصدق، ارتجف، انهمرت دموعه، شعر بالخطر، كيف؟ ولماذا؟ هل هذا معقول؟ هل يمكن أن يدفعوا بي إلي مستشفي الأمراض العقلية؟ هل أصبحت مجنونا وأنا الذي حصلت في العام الماضي علي تقدير (.+A.) أي المرتبة الأولي بامتياز في الجامعة؟ أنا، كيف، معقول؟!
كانت الأسئلة تنهمر علي عقله، إنه لا يصدق، قولوا أي شيء غير ذلك، إذن النية مبيتة، وغدا سيدفعون بي إلي مستشفي الأمراض العقلية. عاد رائف إلي زنزانته من جديد، ولم ير طعم النوم، الذهول يسيطر عليه، إنه مصدوم، راح يصرخ يا ناس، يا عالم فين القانون فين العدل؟!!!
ظلت الهواجس تطارده حتى الصباح، لم يستطع أن يدخل إلي دورة المياه القذرة داخل الزنزانة، فانهار غير مصدق، راح يعد الثواني والدقائق، وفي الصباح نودي علي اسمه وقيد بالأساور الحديدية ودفع به إلي سيارة الترحيلات لتوقيع الكشف الطبي علي قواه العقلية.
في هذا الوقت كان خاله د. شريف عبد العليم قد علم بالخبر وجاء منذ الصباح الباكر ينتظر ابن شقيقته يريد أن يراه، وما أن تحركت سيارة الترحيلات حتى راح د. شريف يحاول أن يلحق به، لكنه لم يستطع، وبمحض الصدفة راح د. شريف يقلب صفحات الصحف المصرية (الأمينة)، ليفاجأ بخبر يقول: 'إن الكشف الطبي أكد أن رائف مصاب بلوثة عقلية وتم إيداعه مستشفي العباسية للأمراض العقلية'.
كانت الصدمة قوية علي الدكتور شريف، فابن أخته لم يخضع للكشف الطبي بعد، ومع ذلك ينشر خبر في صحفنا الموقرة، يقول : 'إن الشاب مجنون وتم إيداعه في مستشفي الأمراض العقلية'.
ومضت سيارة الترحيلات، ولم يكذب سعادة الدكتور مفتش الصحة خبرا فقد أقر بالفعل 'أن الشاب مريض عقليا، وطلب إيداعه مستشفي الأمراض العقلية لمدة 45 يوما لتبيان مدي اللوثة العقلية'.
كانت الصدمة أقوي من أن تحتمل، اتصلت شافكي المنيري برئيس مجلس الشعب تطلب منه إنقاذ هذا الشاب البريء ، وعلي الفور أبلغها د. سرور أن هذا الشاب لم يعترض موكبه، وأن ما جري شيء مستفز، وأنه لن يترك الأمر يمر بدون حساب، وراح يجري اتصالاته بالجهات المعنية، فقررت الجهات نفسها الإفراج عن الطالب فورا و' يا دار ما دخلك شر' !!
قبيل الإفراج عنه بقليل كانت أمه قد وصلت علي عجل بعد أن قطعت العمرة في السعودية، إن أمه تسكن معه هو وشقيقه، هي لا تعيش في الخارج كما صورت الصحف، والده فقط الذي يعمل مستشارا هندسيا كبيرا لإحدى الشركات الأجنبية بالسعودية، والشاب لا يقيم بالسيدة زينب كما نشرت الصحف، لكنه يسكن بالمعادي بعيدا عن منزل فتحي سرور كما ادعوا.
انهارت الأم وظلت تصرخ غير مصدقة، ماذا فعلتم بابني؟ أي جريمة ارتكبها؟ مضت الساعات ثقيلة علي النفس ثم أفرج عن الشاب رائف بدون كلمة اعتذار واحدة.
في صباح السبت كنت اتصل بالمهندسة سمية والدة رائف بعد اتصالي مع شافكي المنيري، كانت كلمات الأم مؤلمة، كانت تبكي بحرقة وألم، قالت: ماذا فعلنا؟ نحن مواطنون صالحون، طول عمري 'بربي' ولادي وبعلمهم كويس، وبربيهم علي الدين والأخلاق. كيف يصفون ابني بأنه مجنون، هل هناك مجنون متفوق ويقود سيارة؟ هل هناك مجنون يلعب اسكواش ويعزف البيانو؟ ولو كان كذلك كيف نتركه هكذا في الشارع؟ من أين جاءوا بالقصة الملفقة؟ من أين جاءوا بأنه كان يعالج من مرض نفسي؟ حاولت أن أهدئ من روعها، كنت أشعر أن دموعها ساخنة، ورأسها يكاد ينفجر وهي تطرح أسئلة بلا إجابة وعلامات استفهام تثير الحزن والألم، قالت لي: قل لي بالله عليك كيف أقنع سكان العمارة وزملاء ابني بأنه ليس مجنونا، وبأن كل ما جري كان تلفيقا وادعاء كاذبا؟ قالت لي: إن والده يكاد يموت من الألم في السعودية، وأنه استطاع الحصول علي تصريح خروج وسيأتي إلي القاهرة نبحث في كيفية معالجة ابننا بعد الانهيار النفسي الذي يعيشه منذ القبض عليه.
رائف أيها السادة يغلق علي نفسه غرفته الآن، يبكي باستمرار، لا يصدق ما حدث، 'رائف' يا بلد الحضارة والتاريخ، كاد يتحول إلي رقم في مستشفي الأمراض العقلية بالعباسية لولا تدخل د. فتحي سرور الذي استطاع أن يلغي كل القرارات بكلمة واحدة منه.
ويبقي السؤال كيف هان علينا أن نعذب شابا مصريا طموحا وهو في مقتبل العمر؟ وكيف استطاع مفتش الصحة الذي يجب أن يحاكم في ميدان عام أن يصدر قرارا بضمير مرتاح يدفع به شابا متفوقا إلي مستشفي الأمراض العقلية؟
تري ماذا لو لم يتدخل د. فتحي سرور؟ النتيجة معروفة، الشاب كان سيتحول بالفعل إلي مجنون حقيقي تهدر آدميته بفعل الإيداع والاختلاط بالمرضي العقليين بمستشفي العباسية.
من يداوي رائف الآن؟ وما علاقة هذا الشاب الرائع بوثيقة حقوق المواطنة، والمجلس القومي لحقوق الإنسان ومشروعات التحديث والتطوير والفكر الجديد.
لا فرق كبيرا بين رائف الذي اعتبروه غير لائق عقليا وبين الشاب المتفوق عبد الحميد شتا الذي حرم من وظيفته برغم تفوقه، لأنه غير لائق اجتماعيا سوي أن الأول تم إنقاذه في اللحظة الأخيرة حطام من بشر، والثاني قرأ النتيجة فكفر بالمجتمع وبالشعارات وألقي بنفسه في جوف النيل ليلقي مصرعه.
آلاف الحوادث ومئات البشر يموتون ويقعون ضحايا لغطرسة القوة والعنف، لانتهاك القانون والضرب بالعدالة في عرض الحائط ولا أحد يتحرك، ولا أحد يسأل ولا أحد يقول ماذا جري؟
يا أخي رائف ويا كل المصريين أنتم بلا سعر، بلا ثمن، أنتم بلا قيمة، وهذا ليس زمانكم، والوطن أنتم مجرد سبايا علي أرضه، كل من سيهمس الاتهامات جاهزة والمقصلة منصوبة ومستشفي الأمراض العقلية ذمته واسعة ويستوعب الكثيرين.
إلي من نشتكي، إلي من نصرخ، من يرد لنا اعتبارنا، من يشعر بآلامنا، من يحاسب الصحافة، ومن يحاسب من ارتكبوا الجرم، ومن يحاسب مفتش الصحة علي فعلته؟
أسئلة كثيرة، القلب موجوع، والصرخات مكتومة والحزن يخيم علي بيوت المصريين ويبقي السؤال في أي عهد نعيش ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟