toot-alsham
01-07-2006, 06:18 AM
خدام خدام .. هزة ارتدادية
*أمير سعيد
قصة كأنها بالأمس تروى, رواها الصحابي أنس بن مالك رضي الله عنه عن حبر اليهود عبد الله بن سلام لما أسلم, وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يخفي إسلامه حتى يعلم رأي قومه فيه أولاً, فأرسل النبي يستدعي كبراءهم, وحجب ابن سلام ليسمع منهم قول صدق فيه, وسألهم "أي رجل ابن سلام فيكم؟ قالوا: حَبْرُنا، وابن حبرنا; وعالمنا، وابن عالمنا. قال : أرأيتم إن أسلم، تسلمون؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك. قال: فخرج عبد الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله؛ وأن محمدا رسول الله. فقالوا: شرُّنا وابن شرنا; وجاهلنا وابن جاهلنا."!!
وأعدنا السؤال عن خدام في مجلس الشعب السوري فقال خائننا وابن خائننا.. والواقع على ما فيه من طرافة تقطع بلحظاتها عقود الألم, ينحت من صخور التاريخ ما يؤشر لغياب التوازن وضياع احترام الذات بين زخات طلقات الخطاب الحنجوري العتيد؛ فإذا المشهد غارق في عبثية الخصوم وإذا الشعب ضحية..
ولو ما تحدث الطرفان لقلنا ربما في جعبتهما ما تحار في فهمه العقول؛ فأما وقد تحدثا فقد ساهما في ترسيخ الصورة المأخوذة عنهما في الضمير العربي الحي.
الضمير العربي الحي ربما تملكه الزهو من حماسة النواب وإجماعهم وسرعة إنجازهم, ولعله يسأل: هل يمكن أن يلاقي اقتراحاً من نائب سوري غيور بتحرير الجولان السوري المحتل عسكرياً مثل هذه الحماسة وهذا الاندفاع؟ ولعله يسأل: هل اكتشف كل النواب فجأة أن "الرفيق أبو جمال" كان المسؤول عن خطايا سوريا في لبنان وأنه قد آن الوقت لمحاسبته؟ وهل وقع ملف دفن النفايات النووية في صحراء تدمر جوار شهداء سجنه المتهم به خدام وابنه فجأة بين يدي النواب, وهل تبين لهم كذلك في يوم واحد أنه خائن ولص وأنه قد حاز ثروة تناهز المليار دولار وهم نائمون؟!
ولا عجب أن يكون التلاسن بين النظام السوري والنائب السابق للرئيس الحالي والراحل مديناً للطرفين معاً, ومؤذناً بمرحلة من الترهل السياسي وانعدام الأمل في رتق خرقه وربما أفوله تماماً, فالنواب الموقرون فاتهم أن إدانة خدام بجرائم مرتكبة منذ عقود يعني أن الجهات المعنية في سبات عميق, وأن الفساد متجذر في صلب السياسة السورية وفي رأس سلطتها, حيث السكوت عن جرائم مدعاة كتلك يحمل معنيين إما أن الأجهزة الرقابية غائبة عن الوعي أو أنها أو من فوقها مشاركون بأنفسهم في هذا الفساد بسكوتهم على أقل تقدير.
والأدهى من ذلك, أن دلالة هذه الفضيحة السياسية التي غيرت المشهد على نحو درامي هو تهافت حزب البعث ذاته وعجزه عن تثبيت "الإيمان البعثي" في قلب أحد أكبر دهاقنته وأقدمهم (أكثر من نصف قرن ينتمي إليه), وتزعزع هذا "الإيمان" في قلبه للحد الذي يجعل "مشيخة" حزب البعث تعلن أن الرجل "مرتد مارق" على حد ما جاء في بيان الحزب! وهذه إحدى الدلالات الأيديولوجية العميقة التي تتجاوز الحديث عن الأزمة إلى حدود القناعة الشخصية لبطارقة البعث السوري أنفسهم, وهل نطمئن على إيمان "القيادات الشابة" في البعث أن تتبدل بهم الأمور فيصيرون كما خدام "مرتدين مارقين".
أيضاً, ومما يؤسف له حقيقة أن انسلال الرجل من سوريا برغم قبضتها الأمنية وخروجه خارج البلاد بشكل "ودي" وتصفيته لكل أمواله وأصول عقاراته وممتلكاته في سوريا ورحيل جميع أفراد أسرته لم يلفت أنظار الأجهزة الأمنية العريقة والقوية في احتمال شهود هذه الفضيحة المدوية عن قريب.. أليس من الواجب أن يتبارى النواب النشامى في فتح ملف خروج نائب الرئيس وملفه مثقل بالفضائح على النحو الذي يذكرون هكذا بطريقة "ودية" أشاد بها النواب أيضاً وهي بمنطقهم لابد وأن تكون محل إدانة, ثم وأين القيادة السياسة السورية من "نفاق" هذا "المارق" ـ على حد تعبير النواب ـ طوال 21 عاماً عاش خلالهما ملاصقاً للقيادتين السياسيتين السابقة والحالية؟
ثم أليس اندفاع النواب في إدانته وتوالي تداعيات ذلك من فصل خدام ومصادرة فتات ممتلكاته المتبقية في سوريا والشروع في محاكمته بهذه السرعة واتخاذ إجراءات لا يفصل بينها سوى ساعات داعياً للتأمل في صحة كلام خدام عن القرارات المتسرعة وغير المدروسة والتي قد تقطع أي أمل في اتخاذ موقف سياسي يحاول أن يقلل من أخطار تداعيات تلك التصريحات على المستوى الدولي بدلاً من الاندفاع الكلامي والثرثرة غير الناجزة؟
وفي المقابل, يبدو الحديث الخدامي باعثاً على الاندهاش من عدم قدرة الرجل على تحريك ملف الديمقراطية والإصلاح طوال هذه السنين الفائتة وعن محاربة الفساد.. لقد أبدى خدام لنا الصورة السورية على نحو كاريكاتوري حين قال "مبشراً بالإصلاح" بأنه لما ضاق ذرعاً بأفعال رستم غزالي, قال للرئيس السوري "أحضره هنا واقطع رقبته"!! وهو ما يشي بآلية الإصلاح الواعدة التي يبشر بها خدام الأمة السورية ودولة القانون التي يريد أن يتحقق من خلالها العدل, إذ قطع الرجل للمواطن السوري الشك باليقين لديه بأنه لم "يرتد" ولم "يمرق" عن البعث وطرائق إدارته للحكم, ومن سمع من السوريين حديث خدام المفعم بالأسى عن استشراء الفساد حتى يصل إلى الموظف الذي يملك 4 مليارات دولار يدرك بأن الرجل ارتضى أن يعتلي ثاني أرفع منصب في الدولة وليس بمقدوره أن يوقف فساد موظف صغير فضلاً عن مسؤول كبير, ومن سره أن يختار خدام بين أن ينحاز للوطن بدلاً من أن ينحاز للنظام ساءه أن يستغرق تفكير نائب الرئيس في ذلك سنين عمره كلها حتى يبلغ من الكبر عتياً ولم يكن قد حسم خياره في تلك البديهية!!
ثالثة الأثافي في حديث خدام بالأخير, هو إدراكه أو لا, بأن أحداً من الفريق المناوئ لسوريا لن يمنحه ثقة كاملة إذا كان يملك هذه "الجرأة" الواسعة في تبديل مواقفه من أقصى اليسار السوري إلى أقصى اليمين الجديد!!
*أمير سعيد
قصة كأنها بالأمس تروى, رواها الصحابي أنس بن مالك رضي الله عنه عن حبر اليهود عبد الله بن سلام لما أسلم, وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يخفي إسلامه حتى يعلم رأي قومه فيه أولاً, فأرسل النبي يستدعي كبراءهم, وحجب ابن سلام ليسمع منهم قول صدق فيه, وسألهم "أي رجل ابن سلام فيكم؟ قالوا: حَبْرُنا، وابن حبرنا; وعالمنا، وابن عالمنا. قال : أرأيتم إن أسلم، تسلمون؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك. قال: فخرج عبد الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله؛ وأن محمدا رسول الله. فقالوا: شرُّنا وابن شرنا; وجاهلنا وابن جاهلنا."!!
وأعدنا السؤال عن خدام في مجلس الشعب السوري فقال خائننا وابن خائننا.. والواقع على ما فيه من طرافة تقطع بلحظاتها عقود الألم, ينحت من صخور التاريخ ما يؤشر لغياب التوازن وضياع احترام الذات بين زخات طلقات الخطاب الحنجوري العتيد؛ فإذا المشهد غارق في عبثية الخصوم وإذا الشعب ضحية..
ولو ما تحدث الطرفان لقلنا ربما في جعبتهما ما تحار في فهمه العقول؛ فأما وقد تحدثا فقد ساهما في ترسيخ الصورة المأخوذة عنهما في الضمير العربي الحي.
الضمير العربي الحي ربما تملكه الزهو من حماسة النواب وإجماعهم وسرعة إنجازهم, ولعله يسأل: هل يمكن أن يلاقي اقتراحاً من نائب سوري غيور بتحرير الجولان السوري المحتل عسكرياً مثل هذه الحماسة وهذا الاندفاع؟ ولعله يسأل: هل اكتشف كل النواب فجأة أن "الرفيق أبو جمال" كان المسؤول عن خطايا سوريا في لبنان وأنه قد آن الوقت لمحاسبته؟ وهل وقع ملف دفن النفايات النووية في صحراء تدمر جوار شهداء سجنه المتهم به خدام وابنه فجأة بين يدي النواب, وهل تبين لهم كذلك في يوم واحد أنه خائن ولص وأنه قد حاز ثروة تناهز المليار دولار وهم نائمون؟!
ولا عجب أن يكون التلاسن بين النظام السوري والنائب السابق للرئيس الحالي والراحل مديناً للطرفين معاً, ومؤذناً بمرحلة من الترهل السياسي وانعدام الأمل في رتق خرقه وربما أفوله تماماً, فالنواب الموقرون فاتهم أن إدانة خدام بجرائم مرتكبة منذ عقود يعني أن الجهات المعنية في سبات عميق, وأن الفساد متجذر في صلب السياسة السورية وفي رأس سلطتها, حيث السكوت عن جرائم مدعاة كتلك يحمل معنيين إما أن الأجهزة الرقابية غائبة عن الوعي أو أنها أو من فوقها مشاركون بأنفسهم في هذا الفساد بسكوتهم على أقل تقدير.
والأدهى من ذلك, أن دلالة هذه الفضيحة السياسية التي غيرت المشهد على نحو درامي هو تهافت حزب البعث ذاته وعجزه عن تثبيت "الإيمان البعثي" في قلب أحد أكبر دهاقنته وأقدمهم (أكثر من نصف قرن ينتمي إليه), وتزعزع هذا "الإيمان" في قلبه للحد الذي يجعل "مشيخة" حزب البعث تعلن أن الرجل "مرتد مارق" على حد ما جاء في بيان الحزب! وهذه إحدى الدلالات الأيديولوجية العميقة التي تتجاوز الحديث عن الأزمة إلى حدود القناعة الشخصية لبطارقة البعث السوري أنفسهم, وهل نطمئن على إيمان "القيادات الشابة" في البعث أن تتبدل بهم الأمور فيصيرون كما خدام "مرتدين مارقين".
أيضاً, ومما يؤسف له حقيقة أن انسلال الرجل من سوريا برغم قبضتها الأمنية وخروجه خارج البلاد بشكل "ودي" وتصفيته لكل أمواله وأصول عقاراته وممتلكاته في سوريا ورحيل جميع أفراد أسرته لم يلفت أنظار الأجهزة الأمنية العريقة والقوية في احتمال شهود هذه الفضيحة المدوية عن قريب.. أليس من الواجب أن يتبارى النواب النشامى في فتح ملف خروج نائب الرئيس وملفه مثقل بالفضائح على النحو الذي يذكرون هكذا بطريقة "ودية" أشاد بها النواب أيضاً وهي بمنطقهم لابد وأن تكون محل إدانة, ثم وأين القيادة السياسة السورية من "نفاق" هذا "المارق" ـ على حد تعبير النواب ـ طوال 21 عاماً عاش خلالهما ملاصقاً للقيادتين السياسيتين السابقة والحالية؟
ثم أليس اندفاع النواب في إدانته وتوالي تداعيات ذلك من فصل خدام ومصادرة فتات ممتلكاته المتبقية في سوريا والشروع في محاكمته بهذه السرعة واتخاذ إجراءات لا يفصل بينها سوى ساعات داعياً للتأمل في صحة كلام خدام عن القرارات المتسرعة وغير المدروسة والتي قد تقطع أي أمل في اتخاذ موقف سياسي يحاول أن يقلل من أخطار تداعيات تلك التصريحات على المستوى الدولي بدلاً من الاندفاع الكلامي والثرثرة غير الناجزة؟
وفي المقابل, يبدو الحديث الخدامي باعثاً على الاندهاش من عدم قدرة الرجل على تحريك ملف الديمقراطية والإصلاح طوال هذه السنين الفائتة وعن محاربة الفساد.. لقد أبدى خدام لنا الصورة السورية على نحو كاريكاتوري حين قال "مبشراً بالإصلاح" بأنه لما ضاق ذرعاً بأفعال رستم غزالي, قال للرئيس السوري "أحضره هنا واقطع رقبته"!! وهو ما يشي بآلية الإصلاح الواعدة التي يبشر بها خدام الأمة السورية ودولة القانون التي يريد أن يتحقق من خلالها العدل, إذ قطع الرجل للمواطن السوري الشك باليقين لديه بأنه لم "يرتد" ولم "يمرق" عن البعث وطرائق إدارته للحكم, ومن سمع من السوريين حديث خدام المفعم بالأسى عن استشراء الفساد حتى يصل إلى الموظف الذي يملك 4 مليارات دولار يدرك بأن الرجل ارتضى أن يعتلي ثاني أرفع منصب في الدولة وليس بمقدوره أن يوقف فساد موظف صغير فضلاً عن مسؤول كبير, ومن سره أن يختار خدام بين أن ينحاز للوطن بدلاً من أن ينحاز للنظام ساءه أن يستغرق تفكير نائب الرئيس في ذلك سنين عمره كلها حتى يبلغ من الكبر عتياً ولم يكن قد حسم خياره في تلك البديهية!!
ثالثة الأثافي في حديث خدام بالأخير, هو إدراكه أو لا, بأن أحداً من الفريق المناوئ لسوريا لن يمنحه ثقة كاملة إذا كان يملك هذه "الجرأة" الواسعة في تبديل مواقفه من أقصى اليسار السوري إلى أقصى اليمين الجديد!!